مطلق بن محمد
02-25-2009, 04:08 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخواني أعضاء منتدى قبيلة الدغالبة يسرني أن أضع بين ايديكم بعض الخواطر الأدبية للاستاذ محمد بن طرجم الدغيلبي
التي قمت بنقلها من موقع مجلس فوق السحاب
شيفون
يا لها من ليلة قاسية اجتمع فيها جور القريب وجور الصديق...
أجهدت نفسي وأيامي . . . أُقنعهم بأن الورد يملأ العين وشذاه يملأ الهواء وأن طعم الحياة سكر وفراشي مخمل!
أجهدت نفسي برسم الصور الجميلة
وأعرضت عن الحقيقة العارية ليس نقصا في الإدراك
وإنما رغبة في تطبيق مفهوم التفاؤل
ونصف الكأس الملآن
تكسرت الكؤوس بمائها
وتيبس كل غصن روته مياهك يا تفاؤل
وطاردتني الحقيقة العارية حتى حشرتني في زاوية لتغويني بسوئتها
رأيت القبح في أوضح صورة!
أدمت يداي أشواك الأرض
وتجرعت علقم الحياة
خنقتني أنفاس الكره النتنة
تحطمت كل أستار الورود عن عقربة سوداء
وددت أن أسحقها بقدمي
لكنها حافية!!
يا لها من ليلة أطلقت لناظري العنان
صالحتني مع المحيط الذي كنت أحتويه ولا يحتويني
وجدْتني أمخر الشوارع فأتعرف على البنايات التي كنت أمر بجانبها يومياَ
وربما غير مرة
لكنني أشاهدها هذه الليلة لأول مرة
أقرأ اللوحات أقرأ النوافذ
ضوء خافت هناك
وضوء صاخب آخر
ستائر مسدلة وأخرى مشرعه
تفاصيل لم أرها... رأيتها تلك الليلة
رأيتني لأول مره وأنا أسلك تلك الدروب
كومة من انكسارات تتحرك داخل سيارة تلف شوارع غريبة تسكنها منذ سنين!
يا لك من ليلة عجيبة
كل هذه السنين كنت أعتقد أنني أفهم المدينة
هناك فرق بين من يعرف طرق المدينة
وبين من يفهمها
فرق كبير
لم أكن استوعبه
من قال بأن الخريطة تصف المدينة
من قال بأن القطار يعرف الاتجاهات
قبح يرفل في أثواب الجمال
طبقات من الشيفون الأبيض
ترفعها طبقة طبقة
فتزول عنك غشاوة الزيف الأسود
ما خفي كان أقبح!
يا لك من ليلة مترفة
أوا كنت أحتاج كل هذه الشحنة المترعة جوراً
حتى استفيق
أو كنت في حاجة إلى أن استفيق
أسدلي عليكِ أسمالك
فإني أتعفف عن هتك حُرُماتك أيتها الحقيقة
أسدلي عليك رقائق الثياب المتهتك جوعا
سلبتني أيها التفائل كل لحضات الدهشة ومتعتها
صيرتني درويشاً أطوف بالشوارع
أصرخ حييييييييييييييييييييييييي!!
وأنا الميت شعوراً بما حولي
لم أعد أشتهي ذاكرتي
وما عدت أشتهي المضارع
لا تصاريف لدي للأفعال....
أنا الآن مشغول بتفاصيل الوجوه والأقنعه
معنى الطرق والدهاليز
أقرأ ملامحي في وجوه الآخرين
فأقرأني آلاف الوجوه
وأفهمني آلاف المعاني
ألست مرآتي يا صديقي؟!
ما بال مرآتي متشضية!
........................................ ........................................ ........................................ ...............................
على متن الطائرة
وأنا في طائرة "الذهاب" إليك كنت أمني النفس بأيام كتلك التي قضينها سوياً...
أياماً تراكمت في عقلي ووجداني ذكريات أستدعيها في لحظات الفرح والشوق...
وأنا في طائرة "الإياب" تكشّف لي أنه لا شيء أسوء من الوهم سوى أن الاستمرار في أن أعيشه غافلاً!!
أما الآن...
فأنا سعيد..
أنا الآن حر...
........................................ ........................................ ........................................ .....................
شيخه
يدق جرس انتهاء الفسحة وتبدأ معانات المدرسات في حث الطالبات على الإسراع بالدخول إلى الفصول ،تتعالى نداءاتهن وسط ضجيج طالبات مدرسة بقيق الثانوية للبنات ،هي من المدارس التي شيدتها شركة أرامكو بل إن بقيق برمتها ما كانت لتنتعش ويتهافت إليها الناس من كافة أرجاء المملكة لو لم تكن ارامكو هناك،المدرسة نظيفة وجميلة ذات فناء كبير به العديد من الأشجار الباسقة،في هذه المدرسة تدرس شيخه، فتاة على قدر كبير من الثقافة متفوقة دراسياً بل هي دوما ما تأخذ الترتيب الأول على كافة فصول المدرس، أتى والدها مطلق من البادية من نجد،كان يعمل في وظيفة فنية بسيطة في معمل الغاز.كم غيرت هذه الشركة العملاقة في أسلوب حياتهم !!
وتحلم شيخه بأن تكمل دراستها الجامعية، ولديها طموح كبير في المواصلة حتى الدراسات العليا،لما لا وكل المدرسات يشجعنها على ذلك حيث لمسوا فيها علامات الذكاء والنجابة والتفوق.
ما تزال الأصوات مرتفعه في الصف الثاني أدبي "ب" الفصل الذي تدرس به شيخه ، تدخل معلمة الإنجليزي شيرين فيعم الهدوء أرجاء الفصل،تضع أوراق الامتحان المصححة على الطاولة ثم تدعوا شيخه للوقوف...
المعلمة: لقد حصلت زميلتكم شيخه على العلامة الكاملة في الامتحان،وهذا أمر متوقع منها كطالبة مجتهدة . أدعوكم إلى الإقتداء بها ... تصفيق....
يضج الفصل بالتصفيق الحار فشيخه محبوبة من غالبية زميلاتها. إلا أن هناك تصفيقا باردا في ركن من اركان الفصل من إحداهن،هند بنت صالح اللافي،أبوها أحد كبار موظفي أرامكو،يا لهذه الهند!! كم تغار من شيخه وتحسدها على شعبيتها بين الطالبات والمدرسات.لم تتقبل أبداً أن تكون هذه الفتاة التي قدم أهلها من البادية أفضل منها!!كم من مرة حاولت أن تنال من كرامتها بالاستهزاء على ملابسها أو بالتفاخر عليها بمركز والدها مقارنة بوالد شيخه،كم من مرة لمزت بالكلمات ولكن كل ذلك لم يحرك شعره في شيخه بل إنه قد زاد من شعبيها ،وضلت هند تحترق بنار الحسد والغيرة.
بعد نهاية ذلك اليوم الدراسي ركبت الباص عائدة إلى المنزل وفي يدها ورقة الامتحان الشهري بالدرجة الكاملة.تنزل من الباص مسرعة تسابق الزمن إلى البيت كي تفرح والدتها ،دوما ما تحب أن تفعل ذلك،تبحث عن أمها في المطبخ المكان المعتاد لها في مثل هذا الوقت فلا تجدها تنادي : يمااااه ... يماااااه....
والدتها :هنيا يا شيخه أنا في الغرفة تعالي وأنا أمك أبيك.
تجري نحو الغرفة، تقبل رأس أمها
شيخه: أبشرك يمه جبت الدرجة الكاملة في الانجليزي عشره من عشره ولا وحده في الفصل جابت العلامة الكاملة حتى هند!!
والدتها:أيه ....الله الموفق!!
الفتور يغلف رد والدتها ،لم تتعود منها مثل هذا الأسلوب،أحست ببرودة أطفأت توقد فرحتها..
والدتها: شيخه روحي .... روحي وأنا أمك لغرفتك.... ....و تجهزي!!!
تتلعثم الكلمات في فم أمها هنا أحست بشيء مجهول مرعب ينتظرها....
والدتها :روحي لغرفتك وتجهزي... ترى عرسك الليلة على عبيد ولد عم أبوك!!!
تنزل الكلمات على شيخة مثل الصاعقة.وتسمرت تنظر إلى والدتها بعينين مفتوحتين عن آخرهما فاغرة فاها من هول ما سمعت.تجمدت كل خلية من خلاياها ،لم تعد قادرة على الحراك،معزولة عن العالم الخارجي الذي لا ترى منه سوى وجه أمها ولا تسمع سوى صدى جملتها الأخيرة . سرحت وكأنها في حلم مزعج تنتظر أن يوقظها منه أحد.ما هذا الذي تقوله أمها عرس ... الليلة ... أنا!!! آخر من يعلم وفي نفس يوم يتم إخباري،ما هذا ؟!! إلى هذه الدرجة لا وجود أو اعتبار لي،هكذا دون استشارة أو حتى مجرد إخباري قبل ذلك بوقت كافي،ثم لمن لهذا الرجل الذي يكبرني بسنين عديدة أبن عم والدي،أذكر أني كنت أناديه وأنا صغيرة عمي عبيد!! ودراستي.. ماذا عن دراستي ماذا عن أحلامي وطموحاتي.تتابع التساؤلات في رأسها دون أجوبه!!
والدة شيخة: شيخة !..... قومي وأنا أمك... روحي لغرفتك.
لم تنطق بكلمة واحدة لم تذرف دمعه واحدة،لم تستطع أن تعترض ولا حتى بصوت بكاء أو أي كلمة تعبر بها عن اعتراضها لم تقدر أن تفعل ذلك ،لا بل لم تستطع أن تحرك أي عضلة في وجهها،تحولت إلى قالب جامد لا مشاعر فيه ولا حياة سقطت حقيبتها من على كتفها بالأرض وكأن كتفيها لم تعودان قادرتان على حمل أي ثقل، انزلقت عباءتها وغطت الحقيبة!! دفنت حقيبتها في غرفة والدتها وهاهي تجر الخطى وئيدة نحو المجهول.
كانت أختها الكبرى حصه في انتظارها رفعت شيخه نظرها المكسور فرأت وجه أختها وقد احمرت عينها وتورم أنفها من كثرة البكاء،ثم ابتسمت حصه ابتسامة مصطنعة وقالت وهي تنشج : مبروك يا شيخه... الله يتمم لك على خير.
وشيخة ما تزال صنم غير قادر على إبداء أي انفعال .لا تسمع شيء سوى ضوضاء غير مفهومه.حين رأت حصة حالة أختها لم تتمالك نفسها وانفجرت أمامها بالبكاء،عندها دخل الأب عليها في الغرفة بعد أن سمع بكاء حصه ثم نهرها قائلاً: عمى يعميك إنشاء الله !! وش الي يبكيك؟!
ضلت حصة صامته ثم ولت هاربة بينما شيخه ما تزال على حالتها.نظر الأب إليها بملامح أقل حدة وهو صامت كمن يريد أن يقدم تبريراً أو ربما اعتذار ولكن !!! أحياناً يفضح الصمت المشاعر المكنونة و يكون أبلغ من التعبير بالكلمات.لحظة ارتباك داخلي بددها الأب بالانسحاب وأغلق الباب.
أخذت شيخة تجيل النظر في غرفتها بين منضدة الدراسة والكتب الكثيرة المصفوفة بترتيب أنيق ، وبين الصور التي تضعها في براويز أنيقة لأبناء أختها وبين شهادات التفوق المعلقة على الجدار الملاصق لسريرها ،تتأمل أدق تفاصيل الغرفة كأنها تودعها باستسلام.
على السرير تقع عينها على حقيبة أختها التي نستها ،تسمر عينيها عليها وعلى شريط "حبوب منع الحمل" !! أفكار شيطانية تتتابع على مخيلتها . حدثت نفسها: لن أستسلم بهذه السهولة،إذا كنت سليبة الرأي هكذا فلعلي أنتقم لنفسي من نفسي،أم هو انتقام من نوع آخر؟!! ومدت يدها نحو الشريط وأخذت تفرغ حبة حبتان ثلاثة لا تعلم كم أفرغت من الشريط. يداها ترتعشان ،ابتلعتها وتمددت على سريرها.
ما هي إلا دقائق وعادت حصة كي تبقى معها،بدأت تحس بالتعب والإعياء ،غربت شمس ذلك اليوم كما لم تغرب من قبل أخذت معها ما أخذت من أحلام جميلة وأماني وطموحات ،أخذت معها كل معاني السعادة والأمل والأمان و أودعتها في مكان ما من هذا الكون .
بدأ البيت يضج بالمعازيم من الأهل و الجيران والأصدقاء،همست شيخة إلى أختها، قفزت حصه باهتمام كبير هذه أول كلمة تنطقها منذ أن علمت بالخبر الفاجعة ..
حصه: وش تبين قولي ما سمعتك؟
شيخه: ما أبي أسلم على أحد ولا أبي أحد يدخل علي ... أي أحد... أي أحد.... ما أبي مهنئين!!
لعلها كانت تحتاج إلى من يعزيها تلك الليلة ،يا لها من تصاريف عجيبة لهذا الزمان.
مرت الساعات بطيئة تزحف زحفاً حتى جاء الأب وأطل مرة أخرى،هذه المرة أقترب منها وسلم عليها وبارك لها هذا الزواج..
شيخه تحدث نفسها : ألم أقل بأني لا أريد مهنئين الليلة،ولكن من يجرؤ على الاعتراض أمام أبي، كتمت مشاعرها ولم ترد على سلام و مباركة الأب.
حالتها تزداد سوءاً ،تقيأت أكثر من مرة ،تعجبت حصة وقلقت عليها كثيراً. في كل مرة تعود من دورة المياه تحاول شيخة أن تطمئن أختها الكبرى أن الأمر طبيعي ،وتجهد في إظهار صلابة وقوة وتماسك لتخفي التهلهل والوجع الذي تكابده وهي تخشى أن يفتضح أمرها.
حانت ساعة الصفر ،جاء الأب للمرة الثالثة وهذه المرة أمر أختها أن تخرج،دقائق وإذا بأبيها وعمها ومن قد أصبح للتو زوجاً لها يدخلون الغرفة،لم ترفع عينها لتنظر إليه وفي داخلها رغبة كبيرة في أن تتقيأ عليه ، ذلك الذي سلبها مستقبلها.من الوهلة الأولى بدأ جدار عظيم يعلوا بينها وبينه ،يستحيل معه أن يعيشا سويا أو يكونا عائلة متفاهمة.تتذكر حلمها بعائلة مثالية أفضل مما تعيشه ،يا الله !! كم هو البون شاسع بين الحلم والواقع الذي فرض عليها.
في صباح اليوم التالي أستعد عبيد للمغادرة إلى الرياض حيث يقيم...انتقلت معه إلى الفلة الكبيرة أو القصر الصغير ، كل شيء يبدو ضخماً وهي التي اعتادت على البساطة ،فخامة خالية من الذوق مجرد إسراف لا طعم له أو لون،عاشت أياما رتيبة بل هي غاية في الرتابة زادها المرض ألماً ،لم تعد تتحكم في لعابها تغيرت شخصيتها أصبحت غير مبالية لا بمنزل ولا بزوج ولا حتى بنفسها.أصبحت زائرة دائمة للمستشفى تصحو من وعكة لتدخل أخرى.تمر الشهور شهراً بعد الآخر والسنة تلو السنة،ثلاث سنوات مرت على زواجهما ولا أثر لحمل ،لم تكمل سنتها الرابعة حتى أعادها زوجها إلى أهلها وقد حل الرباط الواهن الذي زعموا أنه يربط بينهما...
عادت شيخة إلى أهلها عادت إلى بقيق ... عادة إلى البيت مطلقة معتلة عاقر محطمة الفؤاد ،ليس ذلك وحسب ولكنها أيضاَ لم تكمل تعليمها والمستقبل بالنسبة لها طريق مظلم.دخلت البيت استقبلتها أمها ما أن رفعت الغطاء عن وجهها كي تسلم عليها حتى فرت دمعة حارقه على خد الأم وكتمت عبرتها،لم يكن طلاق ابنتها هو السبب فقد كانت تتوقعه بل إنها كانت تنتظره ولكنها الحالة المزرية التي رأت طفلتها الحبيبة فيها، الوردة المتفتحة استحالت هشيماً تذروه الرياح،أكانت ثلاث سنوات أم ثلاثين سنه؟!!
مع مرور الوقت بدأت حالة شيخه النفسية تتحسن،وآثار المرض وإن كانت باقية إلاّ أنها خفت كثيراً،والد شيخة يشعر بالألم والحسرة تملأ صدره على ابنته في كل مره يراها فيها،لا ... لم يعد ذلك الأب الشديد الحازم المتفرد بالقرارات والرأي،أراد أن يكفر عن الذنب الذي ارتكبه في حق شيخه،يتمنى أن تطلب منه شيء أي شيء حتى يلبيه لها،ولكنها على عادتها لا تطلب أي شيء،لكن ذلك يؤلمه كثيراً.في يوم من الأيام أسرّت إلى والدتها بأنها تريد أن تكمل دراستها الثانوية بنظام المنازل ،أخبرت الأم والدها برغبتها ففرح فرحا شديداً وسر لأنه أخيراً سيلبي لها رغبة من رغباتها ،أكملت دراستها الثانوية ثم بعد ذلك أتيحت لها فرصة العمل كمدرسة "محو أمية" في العصر ،وافق أبوها على هذا العمل بدون أي تردد.وفي يوم من الأيام بينما هي في الفصل إذ أخبرتها المديرة بأن وفد من جامعة الملك سعود سوف يأتي بغرض إجراء بحث لصالح الرئاسة العامة لتعليم البنات وربما يحتاجون أن يطرحوا بعض الأسئلة ،أبدت ترحيبها و أخبرت المديرة بأنها سوف تساعدهم بكل ما يحتاجون إليه بإذن الله.بعد ساعتين يدق باب الفصل وإذ بالمديرة ومعها الوفد وبدأت المديرة التعريف.
المديرة: هذه شيخة مطلق من أكفأ المدرسات اللواتي يعملن في المدرسة،شيخه.... احب أن أعرفك على الدكتورة هند بنت صالح اللافي مديرة مشروع البحث و الأستاذة سهى الـ......... وأذ صوت المديرة يبعد ويبعد حتى لم تعد تسمع منه شيء!!!!
هند اللافي أصبحت دكتورة؟!! كانت تشمت على ملا بسها وعلى كونها من البادية ،لم تكن تجرؤ على أن تتفاخر عليها بشيء سوى المظاهر،لأن شيخه أكثر منها أدباً وأكثر منها علماً وأكثر محبة إلى قلوب المدرسات والطالبات،هاهي الآن تحصل على فرصه ثمينة للتعالي والسخرية.
تتنبه على صوت المديرة تخاطبها : أستاذه شيخه عسى ماشر لا يكون رجعتلك الدوخه مره ثانيه؟!!
شيخه: لا أبدا ًما فيه شي.
في هذه اللحظة تمد هند يدها لمصافحة شيخه.
هند :كيف حالك يا شيخة.عسى ماشر شفيك كنك تعبانه؟
شيخه: الحمد لله أبدا ما فيني شي يا هند.
هند بحدة : الدكتورة هند لو سمحتي!!! .... عندنا بعض الإسئله الي ودنا لو تجيبين عليها وإذا سمحتي ودنا نتكلم مع بعض البنات والأمهات الي في الفصل.
شيخه: تفضلوا...
ما تزال متعجرفة لم تتغير برغم كل هذه السنين ،ما يزال السواد يغطي داخلها ،تحسرت شيخه على نفسها وعلى عمرها الذي ضاع هباءً وانتهى بها إلى هذه الوظيفة البسيطة التي لا تتطلب من المؤهلات سوى شهادة الثانوية،مدرسة في مدرسة "محو الأمية" تعزي نفسها بان العمل الذي تقوم به عمل نبيل ،ولكنها مؤهله إلى ما هو أكبر من ذلك .... أكبر من ذلك بكثير !! تتسارع نبضات قلبها وانتشت من الفكرة التي بدأت تدور في عقلها ،سوف أكمل دراستي الجامعية نعم سوف أحقق أحلامي التي لطالما عشت من أجلها ،إن كنت خسرت أحد أهم تلك الأحلام وهي الأسرة السعيدة فلن أسمح لنفسي بمزيد من الخسارة أو أن أقع ضحية و أتخلى عن كل أحلامي،إن التسعة أفضل من الثمانية والثمانية أفضل من السبعة ليس المهم الحصول على العلامة الكاملة دائماً،المهم هو الإنجاز أن أحقق هدفي.أخذت تشجع نفسها حتى اطمأنت إلى هذا الهدف .
أخبرت والدها هذه المرة مباشرة دون وساطة الوالدة برغبتها في الدراسة في جامعة الملك سعود .فما كان منه إلا أن رحب وبدأ يسهل الأمور لها قائلاً:يا بنيتي أصلاً أنا وأنا أبوك خلاص تقاعدت وأنا أفكر في الانتقال للرياض ،يعني ما راح تكلفين علينا شي ،بالعكس يا بنيتي حنا ما ودنا إلا الشي الي يرضيك ويريحك.
يدنو العام الدراسي الجديد وتلتحق بالجامعة .. يصبح الحلم حقيقة .. وتزهر حياتها من جديد ..
محمد بن طرجم الدغيلبي
أخواني أعضاء منتدى قبيلة الدغالبة يسرني أن أضع بين ايديكم بعض الخواطر الأدبية للاستاذ محمد بن طرجم الدغيلبي
التي قمت بنقلها من موقع مجلس فوق السحاب
شيفون
يا لها من ليلة قاسية اجتمع فيها جور القريب وجور الصديق...
أجهدت نفسي وأيامي . . . أُقنعهم بأن الورد يملأ العين وشذاه يملأ الهواء وأن طعم الحياة سكر وفراشي مخمل!
أجهدت نفسي برسم الصور الجميلة
وأعرضت عن الحقيقة العارية ليس نقصا في الإدراك
وإنما رغبة في تطبيق مفهوم التفاؤل
ونصف الكأس الملآن
تكسرت الكؤوس بمائها
وتيبس كل غصن روته مياهك يا تفاؤل
وطاردتني الحقيقة العارية حتى حشرتني في زاوية لتغويني بسوئتها
رأيت القبح في أوضح صورة!
أدمت يداي أشواك الأرض
وتجرعت علقم الحياة
خنقتني أنفاس الكره النتنة
تحطمت كل أستار الورود عن عقربة سوداء
وددت أن أسحقها بقدمي
لكنها حافية!!
يا لها من ليلة أطلقت لناظري العنان
صالحتني مع المحيط الذي كنت أحتويه ولا يحتويني
وجدْتني أمخر الشوارع فأتعرف على البنايات التي كنت أمر بجانبها يومياَ
وربما غير مرة
لكنني أشاهدها هذه الليلة لأول مرة
أقرأ اللوحات أقرأ النوافذ
ضوء خافت هناك
وضوء صاخب آخر
ستائر مسدلة وأخرى مشرعه
تفاصيل لم أرها... رأيتها تلك الليلة
رأيتني لأول مره وأنا أسلك تلك الدروب
كومة من انكسارات تتحرك داخل سيارة تلف شوارع غريبة تسكنها منذ سنين!
يا لك من ليلة عجيبة
كل هذه السنين كنت أعتقد أنني أفهم المدينة
هناك فرق بين من يعرف طرق المدينة
وبين من يفهمها
فرق كبير
لم أكن استوعبه
من قال بأن الخريطة تصف المدينة
من قال بأن القطار يعرف الاتجاهات
قبح يرفل في أثواب الجمال
طبقات من الشيفون الأبيض
ترفعها طبقة طبقة
فتزول عنك غشاوة الزيف الأسود
ما خفي كان أقبح!
يا لك من ليلة مترفة
أوا كنت أحتاج كل هذه الشحنة المترعة جوراً
حتى استفيق
أو كنت في حاجة إلى أن استفيق
أسدلي عليكِ أسمالك
فإني أتعفف عن هتك حُرُماتك أيتها الحقيقة
أسدلي عليك رقائق الثياب المتهتك جوعا
سلبتني أيها التفائل كل لحضات الدهشة ومتعتها
صيرتني درويشاً أطوف بالشوارع
أصرخ حييييييييييييييييييييييييي!!
وأنا الميت شعوراً بما حولي
لم أعد أشتهي ذاكرتي
وما عدت أشتهي المضارع
لا تصاريف لدي للأفعال....
أنا الآن مشغول بتفاصيل الوجوه والأقنعه
معنى الطرق والدهاليز
أقرأ ملامحي في وجوه الآخرين
فأقرأني آلاف الوجوه
وأفهمني آلاف المعاني
ألست مرآتي يا صديقي؟!
ما بال مرآتي متشضية!
........................................ ........................................ ........................................ ...............................
على متن الطائرة
وأنا في طائرة "الذهاب" إليك كنت أمني النفس بأيام كتلك التي قضينها سوياً...
أياماً تراكمت في عقلي ووجداني ذكريات أستدعيها في لحظات الفرح والشوق...
وأنا في طائرة "الإياب" تكشّف لي أنه لا شيء أسوء من الوهم سوى أن الاستمرار في أن أعيشه غافلاً!!
أما الآن...
فأنا سعيد..
أنا الآن حر...
........................................ ........................................ ........................................ .....................
شيخه
يدق جرس انتهاء الفسحة وتبدأ معانات المدرسات في حث الطالبات على الإسراع بالدخول إلى الفصول ،تتعالى نداءاتهن وسط ضجيج طالبات مدرسة بقيق الثانوية للبنات ،هي من المدارس التي شيدتها شركة أرامكو بل إن بقيق برمتها ما كانت لتنتعش ويتهافت إليها الناس من كافة أرجاء المملكة لو لم تكن ارامكو هناك،المدرسة نظيفة وجميلة ذات فناء كبير به العديد من الأشجار الباسقة،في هذه المدرسة تدرس شيخه، فتاة على قدر كبير من الثقافة متفوقة دراسياً بل هي دوما ما تأخذ الترتيب الأول على كافة فصول المدرس، أتى والدها مطلق من البادية من نجد،كان يعمل في وظيفة فنية بسيطة في معمل الغاز.كم غيرت هذه الشركة العملاقة في أسلوب حياتهم !!
وتحلم شيخه بأن تكمل دراستها الجامعية، ولديها طموح كبير في المواصلة حتى الدراسات العليا،لما لا وكل المدرسات يشجعنها على ذلك حيث لمسوا فيها علامات الذكاء والنجابة والتفوق.
ما تزال الأصوات مرتفعه في الصف الثاني أدبي "ب" الفصل الذي تدرس به شيخه ، تدخل معلمة الإنجليزي شيرين فيعم الهدوء أرجاء الفصل،تضع أوراق الامتحان المصححة على الطاولة ثم تدعوا شيخه للوقوف...
المعلمة: لقد حصلت زميلتكم شيخه على العلامة الكاملة في الامتحان،وهذا أمر متوقع منها كطالبة مجتهدة . أدعوكم إلى الإقتداء بها ... تصفيق....
يضج الفصل بالتصفيق الحار فشيخه محبوبة من غالبية زميلاتها. إلا أن هناك تصفيقا باردا في ركن من اركان الفصل من إحداهن،هند بنت صالح اللافي،أبوها أحد كبار موظفي أرامكو،يا لهذه الهند!! كم تغار من شيخه وتحسدها على شعبيتها بين الطالبات والمدرسات.لم تتقبل أبداً أن تكون هذه الفتاة التي قدم أهلها من البادية أفضل منها!!كم من مرة حاولت أن تنال من كرامتها بالاستهزاء على ملابسها أو بالتفاخر عليها بمركز والدها مقارنة بوالد شيخه،كم من مرة لمزت بالكلمات ولكن كل ذلك لم يحرك شعره في شيخه بل إنه قد زاد من شعبيها ،وضلت هند تحترق بنار الحسد والغيرة.
بعد نهاية ذلك اليوم الدراسي ركبت الباص عائدة إلى المنزل وفي يدها ورقة الامتحان الشهري بالدرجة الكاملة.تنزل من الباص مسرعة تسابق الزمن إلى البيت كي تفرح والدتها ،دوما ما تحب أن تفعل ذلك،تبحث عن أمها في المطبخ المكان المعتاد لها في مثل هذا الوقت فلا تجدها تنادي : يمااااه ... يماااااه....
والدتها :هنيا يا شيخه أنا في الغرفة تعالي وأنا أمك أبيك.
تجري نحو الغرفة، تقبل رأس أمها
شيخه: أبشرك يمه جبت الدرجة الكاملة في الانجليزي عشره من عشره ولا وحده في الفصل جابت العلامة الكاملة حتى هند!!
والدتها:أيه ....الله الموفق!!
الفتور يغلف رد والدتها ،لم تتعود منها مثل هذا الأسلوب،أحست ببرودة أطفأت توقد فرحتها..
والدتها: شيخه روحي .... روحي وأنا أمك لغرفتك.... ....و تجهزي!!!
تتلعثم الكلمات في فم أمها هنا أحست بشيء مجهول مرعب ينتظرها....
والدتها :روحي لغرفتك وتجهزي... ترى عرسك الليلة على عبيد ولد عم أبوك!!!
تنزل الكلمات على شيخة مثل الصاعقة.وتسمرت تنظر إلى والدتها بعينين مفتوحتين عن آخرهما فاغرة فاها من هول ما سمعت.تجمدت كل خلية من خلاياها ،لم تعد قادرة على الحراك،معزولة عن العالم الخارجي الذي لا ترى منه سوى وجه أمها ولا تسمع سوى صدى جملتها الأخيرة . سرحت وكأنها في حلم مزعج تنتظر أن يوقظها منه أحد.ما هذا الذي تقوله أمها عرس ... الليلة ... أنا!!! آخر من يعلم وفي نفس يوم يتم إخباري،ما هذا ؟!! إلى هذه الدرجة لا وجود أو اعتبار لي،هكذا دون استشارة أو حتى مجرد إخباري قبل ذلك بوقت كافي،ثم لمن لهذا الرجل الذي يكبرني بسنين عديدة أبن عم والدي،أذكر أني كنت أناديه وأنا صغيرة عمي عبيد!! ودراستي.. ماذا عن دراستي ماذا عن أحلامي وطموحاتي.تتابع التساؤلات في رأسها دون أجوبه!!
والدة شيخة: شيخة !..... قومي وأنا أمك... روحي لغرفتك.
لم تنطق بكلمة واحدة لم تذرف دمعه واحدة،لم تستطع أن تعترض ولا حتى بصوت بكاء أو أي كلمة تعبر بها عن اعتراضها لم تقدر أن تفعل ذلك ،لا بل لم تستطع أن تحرك أي عضلة في وجهها،تحولت إلى قالب جامد لا مشاعر فيه ولا حياة سقطت حقيبتها من على كتفها بالأرض وكأن كتفيها لم تعودان قادرتان على حمل أي ثقل، انزلقت عباءتها وغطت الحقيبة!! دفنت حقيبتها في غرفة والدتها وهاهي تجر الخطى وئيدة نحو المجهول.
كانت أختها الكبرى حصه في انتظارها رفعت شيخه نظرها المكسور فرأت وجه أختها وقد احمرت عينها وتورم أنفها من كثرة البكاء،ثم ابتسمت حصه ابتسامة مصطنعة وقالت وهي تنشج : مبروك يا شيخه... الله يتمم لك على خير.
وشيخة ما تزال صنم غير قادر على إبداء أي انفعال .لا تسمع شيء سوى ضوضاء غير مفهومه.حين رأت حصة حالة أختها لم تتمالك نفسها وانفجرت أمامها بالبكاء،عندها دخل الأب عليها في الغرفة بعد أن سمع بكاء حصه ثم نهرها قائلاً: عمى يعميك إنشاء الله !! وش الي يبكيك؟!
ضلت حصة صامته ثم ولت هاربة بينما شيخه ما تزال على حالتها.نظر الأب إليها بملامح أقل حدة وهو صامت كمن يريد أن يقدم تبريراً أو ربما اعتذار ولكن !!! أحياناً يفضح الصمت المشاعر المكنونة و يكون أبلغ من التعبير بالكلمات.لحظة ارتباك داخلي بددها الأب بالانسحاب وأغلق الباب.
أخذت شيخة تجيل النظر في غرفتها بين منضدة الدراسة والكتب الكثيرة المصفوفة بترتيب أنيق ، وبين الصور التي تضعها في براويز أنيقة لأبناء أختها وبين شهادات التفوق المعلقة على الجدار الملاصق لسريرها ،تتأمل أدق تفاصيل الغرفة كأنها تودعها باستسلام.
على السرير تقع عينها على حقيبة أختها التي نستها ،تسمر عينيها عليها وعلى شريط "حبوب منع الحمل" !! أفكار شيطانية تتتابع على مخيلتها . حدثت نفسها: لن أستسلم بهذه السهولة،إذا كنت سليبة الرأي هكذا فلعلي أنتقم لنفسي من نفسي،أم هو انتقام من نوع آخر؟!! ومدت يدها نحو الشريط وأخذت تفرغ حبة حبتان ثلاثة لا تعلم كم أفرغت من الشريط. يداها ترتعشان ،ابتلعتها وتمددت على سريرها.
ما هي إلا دقائق وعادت حصة كي تبقى معها،بدأت تحس بالتعب والإعياء ،غربت شمس ذلك اليوم كما لم تغرب من قبل أخذت معها ما أخذت من أحلام جميلة وأماني وطموحات ،أخذت معها كل معاني السعادة والأمل والأمان و أودعتها في مكان ما من هذا الكون .
بدأ البيت يضج بالمعازيم من الأهل و الجيران والأصدقاء،همست شيخة إلى أختها، قفزت حصه باهتمام كبير هذه أول كلمة تنطقها منذ أن علمت بالخبر الفاجعة ..
حصه: وش تبين قولي ما سمعتك؟
شيخه: ما أبي أسلم على أحد ولا أبي أحد يدخل علي ... أي أحد... أي أحد.... ما أبي مهنئين!!
لعلها كانت تحتاج إلى من يعزيها تلك الليلة ،يا لها من تصاريف عجيبة لهذا الزمان.
مرت الساعات بطيئة تزحف زحفاً حتى جاء الأب وأطل مرة أخرى،هذه المرة أقترب منها وسلم عليها وبارك لها هذا الزواج..
شيخه تحدث نفسها : ألم أقل بأني لا أريد مهنئين الليلة،ولكن من يجرؤ على الاعتراض أمام أبي، كتمت مشاعرها ولم ترد على سلام و مباركة الأب.
حالتها تزداد سوءاً ،تقيأت أكثر من مرة ،تعجبت حصة وقلقت عليها كثيراً. في كل مرة تعود من دورة المياه تحاول شيخة أن تطمئن أختها الكبرى أن الأمر طبيعي ،وتجهد في إظهار صلابة وقوة وتماسك لتخفي التهلهل والوجع الذي تكابده وهي تخشى أن يفتضح أمرها.
حانت ساعة الصفر ،جاء الأب للمرة الثالثة وهذه المرة أمر أختها أن تخرج،دقائق وإذا بأبيها وعمها ومن قد أصبح للتو زوجاً لها يدخلون الغرفة،لم ترفع عينها لتنظر إليه وفي داخلها رغبة كبيرة في أن تتقيأ عليه ، ذلك الذي سلبها مستقبلها.من الوهلة الأولى بدأ جدار عظيم يعلوا بينها وبينه ،يستحيل معه أن يعيشا سويا أو يكونا عائلة متفاهمة.تتذكر حلمها بعائلة مثالية أفضل مما تعيشه ،يا الله !! كم هو البون شاسع بين الحلم والواقع الذي فرض عليها.
في صباح اليوم التالي أستعد عبيد للمغادرة إلى الرياض حيث يقيم...انتقلت معه إلى الفلة الكبيرة أو القصر الصغير ، كل شيء يبدو ضخماً وهي التي اعتادت على البساطة ،فخامة خالية من الذوق مجرد إسراف لا طعم له أو لون،عاشت أياما رتيبة بل هي غاية في الرتابة زادها المرض ألماً ،لم تعد تتحكم في لعابها تغيرت شخصيتها أصبحت غير مبالية لا بمنزل ولا بزوج ولا حتى بنفسها.أصبحت زائرة دائمة للمستشفى تصحو من وعكة لتدخل أخرى.تمر الشهور شهراً بعد الآخر والسنة تلو السنة،ثلاث سنوات مرت على زواجهما ولا أثر لحمل ،لم تكمل سنتها الرابعة حتى أعادها زوجها إلى أهلها وقد حل الرباط الواهن الذي زعموا أنه يربط بينهما...
عادت شيخة إلى أهلها عادت إلى بقيق ... عادة إلى البيت مطلقة معتلة عاقر محطمة الفؤاد ،ليس ذلك وحسب ولكنها أيضاَ لم تكمل تعليمها والمستقبل بالنسبة لها طريق مظلم.دخلت البيت استقبلتها أمها ما أن رفعت الغطاء عن وجهها كي تسلم عليها حتى فرت دمعة حارقه على خد الأم وكتمت عبرتها،لم يكن طلاق ابنتها هو السبب فقد كانت تتوقعه بل إنها كانت تنتظره ولكنها الحالة المزرية التي رأت طفلتها الحبيبة فيها، الوردة المتفتحة استحالت هشيماً تذروه الرياح،أكانت ثلاث سنوات أم ثلاثين سنه؟!!
مع مرور الوقت بدأت حالة شيخه النفسية تتحسن،وآثار المرض وإن كانت باقية إلاّ أنها خفت كثيراً،والد شيخة يشعر بالألم والحسرة تملأ صدره على ابنته في كل مره يراها فيها،لا ... لم يعد ذلك الأب الشديد الحازم المتفرد بالقرارات والرأي،أراد أن يكفر عن الذنب الذي ارتكبه في حق شيخه،يتمنى أن تطلب منه شيء أي شيء حتى يلبيه لها،ولكنها على عادتها لا تطلب أي شيء،لكن ذلك يؤلمه كثيراً.في يوم من الأيام أسرّت إلى والدتها بأنها تريد أن تكمل دراستها الثانوية بنظام المنازل ،أخبرت الأم والدها برغبتها ففرح فرحا شديداً وسر لأنه أخيراً سيلبي لها رغبة من رغباتها ،أكملت دراستها الثانوية ثم بعد ذلك أتيحت لها فرصة العمل كمدرسة "محو أمية" في العصر ،وافق أبوها على هذا العمل بدون أي تردد.وفي يوم من الأيام بينما هي في الفصل إذ أخبرتها المديرة بأن وفد من جامعة الملك سعود سوف يأتي بغرض إجراء بحث لصالح الرئاسة العامة لتعليم البنات وربما يحتاجون أن يطرحوا بعض الأسئلة ،أبدت ترحيبها و أخبرت المديرة بأنها سوف تساعدهم بكل ما يحتاجون إليه بإذن الله.بعد ساعتين يدق باب الفصل وإذ بالمديرة ومعها الوفد وبدأت المديرة التعريف.
المديرة: هذه شيخة مطلق من أكفأ المدرسات اللواتي يعملن في المدرسة،شيخه.... احب أن أعرفك على الدكتورة هند بنت صالح اللافي مديرة مشروع البحث و الأستاذة سهى الـ......... وأذ صوت المديرة يبعد ويبعد حتى لم تعد تسمع منه شيء!!!!
هند اللافي أصبحت دكتورة؟!! كانت تشمت على ملا بسها وعلى كونها من البادية ،لم تكن تجرؤ على أن تتفاخر عليها بشيء سوى المظاهر،لأن شيخه أكثر منها أدباً وأكثر منها علماً وأكثر محبة إلى قلوب المدرسات والطالبات،هاهي الآن تحصل على فرصه ثمينة للتعالي والسخرية.
تتنبه على صوت المديرة تخاطبها : أستاذه شيخه عسى ماشر لا يكون رجعتلك الدوخه مره ثانيه؟!!
شيخه: لا أبدا ًما فيه شي.
في هذه اللحظة تمد هند يدها لمصافحة شيخه.
هند :كيف حالك يا شيخة.عسى ماشر شفيك كنك تعبانه؟
شيخه: الحمد لله أبدا ما فيني شي يا هند.
هند بحدة : الدكتورة هند لو سمحتي!!! .... عندنا بعض الإسئله الي ودنا لو تجيبين عليها وإذا سمحتي ودنا نتكلم مع بعض البنات والأمهات الي في الفصل.
شيخه: تفضلوا...
ما تزال متعجرفة لم تتغير برغم كل هذه السنين ،ما يزال السواد يغطي داخلها ،تحسرت شيخه على نفسها وعلى عمرها الذي ضاع هباءً وانتهى بها إلى هذه الوظيفة البسيطة التي لا تتطلب من المؤهلات سوى شهادة الثانوية،مدرسة في مدرسة "محو الأمية" تعزي نفسها بان العمل الذي تقوم به عمل نبيل ،ولكنها مؤهله إلى ما هو أكبر من ذلك .... أكبر من ذلك بكثير !! تتسارع نبضات قلبها وانتشت من الفكرة التي بدأت تدور في عقلها ،سوف أكمل دراستي الجامعية نعم سوف أحقق أحلامي التي لطالما عشت من أجلها ،إن كنت خسرت أحد أهم تلك الأحلام وهي الأسرة السعيدة فلن أسمح لنفسي بمزيد من الخسارة أو أن أقع ضحية و أتخلى عن كل أحلامي،إن التسعة أفضل من الثمانية والثمانية أفضل من السبعة ليس المهم الحصول على العلامة الكاملة دائماً،المهم هو الإنجاز أن أحقق هدفي.أخذت تشجع نفسها حتى اطمأنت إلى هذا الهدف .
أخبرت والدها هذه المرة مباشرة دون وساطة الوالدة برغبتها في الدراسة في جامعة الملك سعود .فما كان منه إلا أن رحب وبدأ يسهل الأمور لها قائلاً:يا بنيتي أصلاً أنا وأنا أبوك خلاص تقاعدت وأنا أفكر في الانتقال للرياض ،يعني ما راح تكلفين علينا شي ،بالعكس يا بنيتي حنا ما ودنا إلا الشي الي يرضيك ويريحك.
يدنو العام الدراسي الجديد وتلتحق بالجامعة .. يصبح الحلم حقيقة .. وتزهر حياتها من جديد ..
محمد بن طرجم الدغيلبي