درع عتيبة
11-19-2007, 12:19 AM
عواض العصيمي - روائي سعودي :
. . هناك كتاب عرب لديهم قوالب تعبيرية جاهزة، وتسميات مكرسة، وهي عموماً سقيمة، لكنهم لا يتوانون عن استخدامها في مقالاتهم أو في هذياناتهم عندما يشرعون في كتابة مقال عن مؤلِّف من السعودية، أو عن كتاب منها، أو عن نشاط ثقافي فيها، وغالباً ما تُربط في شكل متعمد ومقصود كلمة ( السعودية ) بالحدث المكتوب عنه. ليس لذلك علاقة بتحديد جنسية الكاتب، ولا بمصدر الكتاب، وإنما لأن هذا البلد، فوجئ البعض ( البعض من العرب طبعاً، وليس من الأزتيك ) بوجود مواطنين فيه يكتبون الروايات والشعر والقصص والنقد، وقد كان ذلك البعض يصف شعب هذا البلد بالشعب الجاهل الذي لا يعرف الفرق بين حرف الألف وكوز الذرة، على حد قول فئة منهم.
ومع ظهور برنامج مرئي فكاهي جل الممثلين فيه من السعوديين، تفاقم زبد الأسئلة على الأفواه حول حقيقة ما يجري. أيوجد ممثلون هناك أيضا؟؟!! رغم ذلك يستمر ذكر اسم البلد ( السعودية ) مع موضوع المقال مرتبطاً ارتباطاً جنينياً بالتصور القديم عن السعودية، ( في رأيهم، هو: بلد البترول والصحراء وتبديد مال النفط في الخارج في العبث واللهو والخمور والنساء والقمار وهو أيضاً بلد رسوب الطلبة والتلاميذ في امتحانات آخر السنة لأنهم لا يفهمون ما معنى مدرسة؟ وما معنى كتب وأقلام ومقاعد ومعلمين؟ ) أما الثقافة عموماً، والإبداع خصوصاً في القصة القصيرة والرواية والشعر، فيعتقدون جازمين أنها خوارق يقوم بها أناس غيرهم، أناس من الشام، ومصر مثلاً، ثم يتساءلون مستغربين: ما الذي يدعو مواطناً سعودياً لديه كل هذه الكمية الهائلة من الرفاهية، إلى إحراق يديه بلهب الكتابة؟ لا، يا أستاذ، يقول لك أحدهم، هؤلاء في الجنة، جنة النفط ذات المداخيل المالية الفلكية، هؤلاء لا يملكون في الأصل وقتاً لبث شقاء الكتابة في أصابعهم، أما نحن فنصطلي بلهب الكتابة، نحن أرباب القلم وحملة الفكر وأساتذة الإبداع.
طبعاً هذا التصور، لم ينشأ نتيجة سوء فهم حديث العهد، أي ليس وليد السنوات القليلة الماضية، ولكنه سوء فهم قديم، بعضه لصالح حسابات سياسية وأيديولوجية تنتمي إلى حقبة السبعينيات من القرن الماضي، وقد توغل في الإمتداد الزمني إلى عقد الستينيات، يوم أن كان الوضع السياسي والفكري في فورة تعلقه باليوتوبيات القومية، والتطلعات الآيديولوجية الهائجة المائجة في عقول وأذهان قطيع كبير من عرب المحبرة الثورية. في تلك الفترة، وقد كان الخليج عموماً يحاول وضع يديه على مكامن نهوضه التنموي، من باطن أرضه، ومن عقول مواطنيه، في تلك الفترة أطلقت مصطلحات نارية باتجاه الخليج مثل ( عرب البترودلار )، ( عرب النفط ) وقد صدح بها شعراء ثوريون في ذلك الزمن، ولكنهم على سبيل المثال عندما علموا في السنوات الأخيرة أن هناك جائزة في الخليج اسمها جائزة العويس، ذات بعد عربي، وتضع كبار الشعراء والمثقفين العرب في اهتمامها، عندما علموا ذلك غيروا من لهجتهم، ولبسوا فراء الأرانب وهم يستقلون الطائرة إلى أرض الجائزة، وما زلنا نتذكر على سبيل المثال هجوم الشاعر سعدي يوسف على الجائزة نفسها عقب استلام مبلغها نقداً بفترة قصيرة، لكنه ليس الوحيد على أي حال.
مذاك، لم يزل الميزان التطفيفي العربي يمنح دول الخليج، السعودية تحديداً، أقل الحظوظ في قول الحقيقة حينما تتطرق إلى شأن من شئونها الثقافية. وحتى اليوم، ما يزال مفهوم لفظة ( السعودية ) عند بعض الكتاب العرب لا يعني الإسم الرسمي المعروف للبلد، بل يعني خلطة عجيبة من التصورات البائسة، تمس السعوديين كافة، تتكون من التصور القديم وتفريعات منه جديدة مثل الضحالة الفكرية وعادة ما يتم التركيز من قبل هؤلاء على إصدارات أدبية لم تنج من ربكة المحاولة الأولى، ومثل تنميط الشخصية المحلية في كركتر هزلي بائس ( طاش ما طاش كمثال ) ثم يستذكي هؤلاء الكتاب العرب في تمرير تصورهم هذا داخل مقالاتهم، أو هذياناتهم، محاولين تخفيف وقع العبارة بمناورات أسلوبية تتظاهر بالعفوية وحسن النية. لقد أصبحت لفظة ( السعودية ) عند البعض بمثابة ( تعليقه ) يعلق عليها الكاتب ما يعتمل في داخله من شوفينية، وتنفج زائف، وادعاء واه بتميز أو تحقيق مكانة ما، فيما هو لا يجرؤ على مصارحة أصدقائه السعوديين تجاه أنفسهم، وتجاه بلدهم، وكأنه بهذا النفاق الثقافي والشخصي، يحاول ترسيخ كم هو السعودي مغفل أيضاً، وإلا لتنبه إلى ما وراء العبارات وإلى ما تحت اللسان من كلمات!
لكن هذا النوع من الكتاب العرب ليس وحده، ولم يكن كذلك في يوم ما، فهناك بعض دور النشر التي تتسابق إلى احتكار الكتاب المحلي، ليس حرصاً منها على ما في العقل السعودي من إضافة وتنوع إيجابيين، وإنما حرصاً منها على الدخول بواسطته إلى سوقه الكبيرة أولاً، وثانياً على اقتناصه كــ ( سعودي ) حسب المفهوم السلبي الرائج في الإعلام، وبالتالي تشغيله تحت هذا المفهوم لفائدة ميزانية الدار المالية، ومن الطبيعي أن يتحصل لها ذلك من خلال أعمال انعكست في سطورها ظلال أعمال كثيرة بدافع التأثر والتقليد والمحاكاة.
هناك بعض الفضائيات التي تنتقي وجوهاً سعودية سطحية وضحلة في برامجها الحوارية، وكأنها بالخط الكبير تشير إلى أن الكل في السعودية مثل هؤلاء السطحيين. بعض مخرجي البرامج في تلك الفضائيات يتعمد تسليط الضوء على وجه الضيف السعودي حينما يوجه إليه سؤال حساس، أو فيه تعقيد لغوي، أو مجرد بهرجة صوتية لإرباك الضيف ليس إلا، فترى وجه الضيف يشرق ويغرب في الاضطراب والحرج إلى أن ينقذه مقدم البرنامج في شهامة مصطنعة بفاصل إعلاني أو بـ ( تغشيشه ) طرفاً من الجواب.
وقد ساهم، للأسف، سعوديون حمقى ومغفلون وبلهاء في تبشيع وتسويد لفظة ( السعودية ) بأعمالهم الإرهابية البشعة في أقطار عديدة من العالم، ولكن هذه الأفعال الإجرامية تختلف الذوات التي تقوم بها عن الذوات التي نحن بصددها في هذا الطرح، فالإرهابي أينما كان، وكيفما كان معتقده الديني والآيديولوجي، هو ضد الحياة البيولوجية أصلاً، وحينما يعجز عن تشكيل العقول على النحو الذي يريد فإنه يقتلها عملياً، وهذا سلوك إجرامي لا يخفى على أحد، ولكن من الواضح أن تلك الأفعال المشينة التي تنسب إلى سعوديين، ساهمت في الترويج لـ ( نيغاتيف ) محلي الطابع، اقترن بشكل أو بآخر بتعميق التصور السلبي عن السعودي عند بعض الأقلام العربية، إذ يطير في عبارته كل الريش اللازم لتشكيل طائر ملفق الصورة في فضاء الإشارة إلى السعودي، وخصوصاً السعودي الذي ينشر للمرة الأولى، أو يظهر في الإعلام للمرة الأولى.
. . هناك كتاب عرب لديهم قوالب تعبيرية جاهزة، وتسميات مكرسة، وهي عموماً سقيمة، لكنهم لا يتوانون عن استخدامها في مقالاتهم أو في هذياناتهم عندما يشرعون في كتابة مقال عن مؤلِّف من السعودية، أو عن كتاب منها، أو عن نشاط ثقافي فيها، وغالباً ما تُربط في شكل متعمد ومقصود كلمة ( السعودية ) بالحدث المكتوب عنه. ليس لذلك علاقة بتحديد جنسية الكاتب، ولا بمصدر الكتاب، وإنما لأن هذا البلد، فوجئ البعض ( البعض من العرب طبعاً، وليس من الأزتيك ) بوجود مواطنين فيه يكتبون الروايات والشعر والقصص والنقد، وقد كان ذلك البعض يصف شعب هذا البلد بالشعب الجاهل الذي لا يعرف الفرق بين حرف الألف وكوز الذرة، على حد قول فئة منهم.
ومع ظهور برنامج مرئي فكاهي جل الممثلين فيه من السعوديين، تفاقم زبد الأسئلة على الأفواه حول حقيقة ما يجري. أيوجد ممثلون هناك أيضا؟؟!! رغم ذلك يستمر ذكر اسم البلد ( السعودية ) مع موضوع المقال مرتبطاً ارتباطاً جنينياً بالتصور القديم عن السعودية، ( في رأيهم، هو: بلد البترول والصحراء وتبديد مال النفط في الخارج في العبث واللهو والخمور والنساء والقمار وهو أيضاً بلد رسوب الطلبة والتلاميذ في امتحانات آخر السنة لأنهم لا يفهمون ما معنى مدرسة؟ وما معنى كتب وأقلام ومقاعد ومعلمين؟ ) أما الثقافة عموماً، والإبداع خصوصاً في القصة القصيرة والرواية والشعر، فيعتقدون جازمين أنها خوارق يقوم بها أناس غيرهم، أناس من الشام، ومصر مثلاً، ثم يتساءلون مستغربين: ما الذي يدعو مواطناً سعودياً لديه كل هذه الكمية الهائلة من الرفاهية، إلى إحراق يديه بلهب الكتابة؟ لا، يا أستاذ، يقول لك أحدهم، هؤلاء في الجنة، جنة النفط ذات المداخيل المالية الفلكية، هؤلاء لا يملكون في الأصل وقتاً لبث شقاء الكتابة في أصابعهم، أما نحن فنصطلي بلهب الكتابة، نحن أرباب القلم وحملة الفكر وأساتذة الإبداع.
طبعاً هذا التصور، لم ينشأ نتيجة سوء فهم حديث العهد، أي ليس وليد السنوات القليلة الماضية، ولكنه سوء فهم قديم، بعضه لصالح حسابات سياسية وأيديولوجية تنتمي إلى حقبة السبعينيات من القرن الماضي، وقد توغل في الإمتداد الزمني إلى عقد الستينيات، يوم أن كان الوضع السياسي والفكري في فورة تعلقه باليوتوبيات القومية، والتطلعات الآيديولوجية الهائجة المائجة في عقول وأذهان قطيع كبير من عرب المحبرة الثورية. في تلك الفترة، وقد كان الخليج عموماً يحاول وضع يديه على مكامن نهوضه التنموي، من باطن أرضه، ومن عقول مواطنيه، في تلك الفترة أطلقت مصطلحات نارية باتجاه الخليج مثل ( عرب البترودلار )، ( عرب النفط ) وقد صدح بها شعراء ثوريون في ذلك الزمن، ولكنهم على سبيل المثال عندما علموا في السنوات الأخيرة أن هناك جائزة في الخليج اسمها جائزة العويس، ذات بعد عربي، وتضع كبار الشعراء والمثقفين العرب في اهتمامها، عندما علموا ذلك غيروا من لهجتهم، ولبسوا فراء الأرانب وهم يستقلون الطائرة إلى أرض الجائزة، وما زلنا نتذكر على سبيل المثال هجوم الشاعر سعدي يوسف على الجائزة نفسها عقب استلام مبلغها نقداً بفترة قصيرة، لكنه ليس الوحيد على أي حال.
مذاك، لم يزل الميزان التطفيفي العربي يمنح دول الخليج، السعودية تحديداً، أقل الحظوظ في قول الحقيقة حينما تتطرق إلى شأن من شئونها الثقافية. وحتى اليوم، ما يزال مفهوم لفظة ( السعودية ) عند بعض الكتاب العرب لا يعني الإسم الرسمي المعروف للبلد، بل يعني خلطة عجيبة من التصورات البائسة، تمس السعوديين كافة، تتكون من التصور القديم وتفريعات منه جديدة مثل الضحالة الفكرية وعادة ما يتم التركيز من قبل هؤلاء على إصدارات أدبية لم تنج من ربكة المحاولة الأولى، ومثل تنميط الشخصية المحلية في كركتر هزلي بائس ( طاش ما طاش كمثال ) ثم يستذكي هؤلاء الكتاب العرب في تمرير تصورهم هذا داخل مقالاتهم، أو هذياناتهم، محاولين تخفيف وقع العبارة بمناورات أسلوبية تتظاهر بالعفوية وحسن النية. لقد أصبحت لفظة ( السعودية ) عند البعض بمثابة ( تعليقه ) يعلق عليها الكاتب ما يعتمل في داخله من شوفينية، وتنفج زائف، وادعاء واه بتميز أو تحقيق مكانة ما، فيما هو لا يجرؤ على مصارحة أصدقائه السعوديين تجاه أنفسهم، وتجاه بلدهم، وكأنه بهذا النفاق الثقافي والشخصي، يحاول ترسيخ كم هو السعودي مغفل أيضاً، وإلا لتنبه إلى ما وراء العبارات وإلى ما تحت اللسان من كلمات!
لكن هذا النوع من الكتاب العرب ليس وحده، ولم يكن كذلك في يوم ما، فهناك بعض دور النشر التي تتسابق إلى احتكار الكتاب المحلي، ليس حرصاً منها على ما في العقل السعودي من إضافة وتنوع إيجابيين، وإنما حرصاً منها على الدخول بواسطته إلى سوقه الكبيرة أولاً، وثانياً على اقتناصه كــ ( سعودي ) حسب المفهوم السلبي الرائج في الإعلام، وبالتالي تشغيله تحت هذا المفهوم لفائدة ميزانية الدار المالية، ومن الطبيعي أن يتحصل لها ذلك من خلال أعمال انعكست في سطورها ظلال أعمال كثيرة بدافع التأثر والتقليد والمحاكاة.
هناك بعض الفضائيات التي تنتقي وجوهاً سعودية سطحية وضحلة في برامجها الحوارية، وكأنها بالخط الكبير تشير إلى أن الكل في السعودية مثل هؤلاء السطحيين. بعض مخرجي البرامج في تلك الفضائيات يتعمد تسليط الضوء على وجه الضيف السعودي حينما يوجه إليه سؤال حساس، أو فيه تعقيد لغوي، أو مجرد بهرجة صوتية لإرباك الضيف ليس إلا، فترى وجه الضيف يشرق ويغرب في الاضطراب والحرج إلى أن ينقذه مقدم البرنامج في شهامة مصطنعة بفاصل إعلاني أو بـ ( تغشيشه ) طرفاً من الجواب.
وقد ساهم، للأسف، سعوديون حمقى ومغفلون وبلهاء في تبشيع وتسويد لفظة ( السعودية ) بأعمالهم الإرهابية البشعة في أقطار عديدة من العالم، ولكن هذه الأفعال الإجرامية تختلف الذوات التي تقوم بها عن الذوات التي نحن بصددها في هذا الطرح، فالإرهابي أينما كان، وكيفما كان معتقده الديني والآيديولوجي، هو ضد الحياة البيولوجية أصلاً، وحينما يعجز عن تشكيل العقول على النحو الذي يريد فإنه يقتلها عملياً، وهذا سلوك إجرامي لا يخفى على أحد، ولكن من الواضح أن تلك الأفعال المشينة التي تنسب إلى سعوديين، ساهمت في الترويج لـ ( نيغاتيف ) محلي الطابع، اقترن بشكل أو بآخر بتعميق التصور السلبي عن السعودي عند بعض الأقلام العربية، إذ يطير في عبارته كل الريش اللازم لتشكيل طائر ملفق الصورة في فضاء الإشارة إلى السعودي، وخصوصاً السعودي الذي ينشر للمرة الأولى، أو يظهر في الإعلام للمرة الأولى.