خالد العتيبي
01-10-2008, 06:17 PM
لو تاملنا قليلاُ هو عنوان لمقال للكاتب الا ماراتي ياسر سعيد حارب استوقفني هذا المقال عند تصفحي لجريدة الوطن السعوديه في عدد يوم السبت الماضي وبعد تامل هذا هو المقال
قبل عدة أشهر كنت مريضاً فذهبت إلى طبيب صيني حكيم، فقال لي: "تأمّل وستشفى دون علاج" ونصحني بقراءة كتاب عن التأمّل، فتوجهت إلى المكتبة واشتريت كتاباً اسمه "8 minute meditation" الذي على الرغم من صغر حجمه وبساطة لغته إلا أنه يجبر قارئه على ممارسة التأمّل ولو من باب الفضول، وكان أكثر ما شدّني في الكتاب هو قواعد التأمّل الثلاث (تقبّل.. تقبّل.. تقبّل) حيث على الإنسان أن يتقبّل كل شيء حوله أثناء التأمل، كبكاء الأطفال مثلاً أو صوت التلفاز أو غير ذلك من مسببات الإزعاج والتوتر. ومع المحاولة والتدريب فإن الإنسان يمكنه أن يتأمّل حتى تحت قصف الطائرات والمدافع.
يقصد بالتأمل هو أن يصفّي المرء ذهنه من كل شيء ويجلس في هدوء وسكينة تامّة لمدة من الزمن لا يفعل فيها شيئاً ولا يشغل تفكيره هم من هموم الحياة. وقد يكون التأمّل هو التفكّر في الطبيعة دون محاولة تفسيرها، كأن يتفكّر المرء في عظمة خلق الله تعالى للسماء دون إشغال ذهنه في كيفية خلقها ورفعها دون عمد، فذلك أمر آخر مكانه في قاعات الدراسة وليس جلسات التأمل، فإذا دخلت الماديّات حيّز التأمّل فإنها تهين أدبياته وتتعدى على خصوصيته.
ثم قرأت جملة (للدلاي لاما) يقول فيها: "عندما يتأمّل الإنسان فإنه يسيطر على نفسه، وعندما يسيطر على نفسه فإنه يصبح هادئاً وتكون نظرته إلى الحياة هادئة... وبالتالي فإن تصرفاته وردود أفعاله تجاه الحياة تكون هادئة أيضاً" في تلك اللحظة تذكرت أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قضى ردحاً من الزمن في غار حراء يتأمّل قبل أن يأتيه الوحي، فلم يكن يعرف في تلك الفترة الوحي أو الرسالة وكل ما كان في الأمر أن الله تعالى كان يهيئه لحمل أهم رسالة من السماء إلى الأرض، وكان طوال تلك السنين يدرّبه على السيطرة على النفس والتحكم في الذات، فكان التأمل أهم مرحلة مر بها حامل أعظم رسالة في التاريخ. ولذلك كان - عليه الصلاة والسلام - أكثر أصحابه تمالكاً للنفس عندما أتاه رجل وطلب منه أن يأذن له بالزنا، وكان ألطف أصحابه عندما بال أعرابي في المسجد، وعلى الرغم من الطبيعة القاسية للصحراء والظروف السياسية التي مر بها هو وأصحابه، إلا أنه كان خبيراً بمداخل النفس ومخارجها، وكان أعلمهم بكيفية كبح جماحها وكيفية النظر إلى مواقف الحياة المختلفة من منظار آخر قل من استطاع أن ينظر من خلاله.
عندما يتأمّل الإنسان فإنه يسلك طريقاً تكون أولى محطّاته وأهمّها الاسترخاء، وعندما يسترخي الإنسان فإنه يستطيع فعل المستحيل، وعندما يسترخي فإنه يكون أيضاً أكثر قدرة على الإصغاء ومن ثمّ اتخاذ القرارات الصحيحة.
إن التأمّل جوهر جميع الأديان، السماوية وغير السماوية، وفي الإسلام يعرفه البعض على أنه التفكّر والتدبر، وفي القرآن ورد ذكر المتدبرين والمتفكرين في مواضع عديدة، فعندما يتدبر الإنسان فإنه يصل إلى الحقيقة دون الحاجة إلى خطب ومواعظ، فالتدبر يحرر الفكر ويشعر الإنسان بما يدور حوله من نواميس الحياة التي تحجب عن البصر وتكشف للبصيرة، وعندما يرى الإنسان ببصيرته فإنه يعرف الله حق المعرفة.
إن التأمل هو أحد الأبواب التي تقود الإنسان إلى معرفة أسرار الكون، ولا أعني هنا أسرار الفضاء والنجوم، ولكن أسرار ما خفي عن الكل وكشف للبعض، فعندما يتأمل المرء فإنه يتحرر من ذاته ويسمو بمعانيه وقيمه ليلتقي مع صفاء الكون ونقائه، فإذا ما وصل إلى تلك المراتب فإن جميع الأشياء الفانية تنصرف من حوله، ويعود ذلك المرء النقّي الذي جبل على الفطرة عند ولادته. إنها لحظة تاريخية لا يمرّ بها إلا من أطلق العنان لروحه قبل فكره حتى ينغمس في اللا شيء الذي هو في الحقيقة أشياء عديدة لا تتكرر.
عندما نتأمل فإننا نفهم الحياة ونقبل عليها لنطهّرها مما هي فيه، وعندما نتأمل فإننا نقبل الخير ونقبل اللا شر، ونرى ألواناً أخرى غير الأبيض والأسود... وغير ألوان قوس قزح كذلك.
عندما يولد المرء فإنه يكون في حالة تأمل، وعندما تمر أمّه في أصعب لحظات حياتها فإنها تتأمل ذلك الألم الذي يجعلها تهدي الأرض أغلى ما فيها، ولو أنها خيّرت لاختارت تلك اللحظة على العيش بوحدة... وبدون تأمّل.
عندما نتأمّل نعجز عن أن نكره، ولا نفتأ نترع الحياة حباً وجمالاً، ولا أعني هنا أننا نصبح سذجاً أو مغفلين، ولكننا نعمل الفطرة قبل العقل، تماماً مثلما يفعل الأطفال عندما يتحدثون إلى الآخرين، أو بالأحرى عندما يتحدثون معهم.
عندما نتأمّل فإن لسان حالنا يقول:"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" ونستغفر الله في اليوم سبعين مرة وندعوه بعد كل صلاة أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته... وعندما نتأمّل نعرف أن الله أكبر وأوسع من أن يظن البعض أنه لهم هم فقط، وأنه سيرحمهم وسيعذب الآخرين لأنهم ليسوا من الفرقة الناجية.
عندما نتأمّل فإن صدقتنا تكون إما إماطة للأذى عن الطريق أو تسبيح وتهليل، وعندها يصبح جميع ما على الأرض ملكاً لنا لأننا امتلكنا أنفسنا قبل كل شيء.
عندما نتأمل فإننا نضع الطعام على الأرض ونجلس حوله كما يجلس عابر السبيل الذي لا يريد من الحياة سوى الوصول إلى داره، فيصبح جميع ما يمر عليه في عينيه مثل غروب الشمس الذي على الرغم من روعته إلا أن الإنسان يريده أن ينتهي ويريد للشمس أن تغرب... فهذه سنة الحياة.
عندما نتأمل نترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس، ليس لأنه حرام بل لأننا نشفق على أنفسنا من أن يشوبها أي بأس وإن كان في عرف البعض طيباً، ولأننا نعتقد بأننا حتى نحقق رسالتنا في ما أتيح لنا من وقت على الأرض فإنه علينا أن ننظر إلى الموضع الذي ستطؤه أقدامنا وليس إلى موضعها الحالي... لذلك فإننا نريد لأرجلنا أن تطأ الأرض دون بأس.
عندما نتأمّل فإننا نصنع المعروف في أهله وفي غير أهله، فإن أصبنا أهله فهم أهله، وإن لم نصب أهله فنحن أهله، ونرتقي بعقولنا حتى نبلغ منها الرأس، فرأس العقل بعد الدين التودد إلى الناس واصطناع المعروف إلى كل برّ وفاجر.
وعندما نتأمّل فإننا نعرف دون أن نفكّر ونصل دون أن نقطع الطريق... ولكن لو تأمّلنا قليلاً.
قبل عدة أشهر كنت مريضاً فذهبت إلى طبيب صيني حكيم، فقال لي: "تأمّل وستشفى دون علاج" ونصحني بقراءة كتاب عن التأمّل، فتوجهت إلى المكتبة واشتريت كتاباً اسمه "8 minute meditation" الذي على الرغم من صغر حجمه وبساطة لغته إلا أنه يجبر قارئه على ممارسة التأمّل ولو من باب الفضول، وكان أكثر ما شدّني في الكتاب هو قواعد التأمّل الثلاث (تقبّل.. تقبّل.. تقبّل) حيث على الإنسان أن يتقبّل كل شيء حوله أثناء التأمل، كبكاء الأطفال مثلاً أو صوت التلفاز أو غير ذلك من مسببات الإزعاج والتوتر. ومع المحاولة والتدريب فإن الإنسان يمكنه أن يتأمّل حتى تحت قصف الطائرات والمدافع.
يقصد بالتأمل هو أن يصفّي المرء ذهنه من كل شيء ويجلس في هدوء وسكينة تامّة لمدة من الزمن لا يفعل فيها شيئاً ولا يشغل تفكيره هم من هموم الحياة. وقد يكون التأمّل هو التفكّر في الطبيعة دون محاولة تفسيرها، كأن يتفكّر المرء في عظمة خلق الله تعالى للسماء دون إشغال ذهنه في كيفية خلقها ورفعها دون عمد، فذلك أمر آخر مكانه في قاعات الدراسة وليس جلسات التأمل، فإذا دخلت الماديّات حيّز التأمّل فإنها تهين أدبياته وتتعدى على خصوصيته.
ثم قرأت جملة (للدلاي لاما) يقول فيها: "عندما يتأمّل الإنسان فإنه يسيطر على نفسه، وعندما يسيطر على نفسه فإنه يصبح هادئاً وتكون نظرته إلى الحياة هادئة... وبالتالي فإن تصرفاته وردود أفعاله تجاه الحياة تكون هادئة أيضاً" في تلك اللحظة تذكرت أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قضى ردحاً من الزمن في غار حراء يتأمّل قبل أن يأتيه الوحي، فلم يكن يعرف في تلك الفترة الوحي أو الرسالة وكل ما كان في الأمر أن الله تعالى كان يهيئه لحمل أهم رسالة من السماء إلى الأرض، وكان طوال تلك السنين يدرّبه على السيطرة على النفس والتحكم في الذات، فكان التأمل أهم مرحلة مر بها حامل أعظم رسالة في التاريخ. ولذلك كان - عليه الصلاة والسلام - أكثر أصحابه تمالكاً للنفس عندما أتاه رجل وطلب منه أن يأذن له بالزنا، وكان ألطف أصحابه عندما بال أعرابي في المسجد، وعلى الرغم من الطبيعة القاسية للصحراء والظروف السياسية التي مر بها هو وأصحابه، إلا أنه كان خبيراً بمداخل النفس ومخارجها، وكان أعلمهم بكيفية كبح جماحها وكيفية النظر إلى مواقف الحياة المختلفة من منظار آخر قل من استطاع أن ينظر من خلاله.
عندما يتأمّل الإنسان فإنه يسلك طريقاً تكون أولى محطّاته وأهمّها الاسترخاء، وعندما يسترخي الإنسان فإنه يستطيع فعل المستحيل، وعندما يسترخي فإنه يكون أيضاً أكثر قدرة على الإصغاء ومن ثمّ اتخاذ القرارات الصحيحة.
إن التأمّل جوهر جميع الأديان، السماوية وغير السماوية، وفي الإسلام يعرفه البعض على أنه التفكّر والتدبر، وفي القرآن ورد ذكر المتدبرين والمتفكرين في مواضع عديدة، فعندما يتدبر الإنسان فإنه يصل إلى الحقيقة دون الحاجة إلى خطب ومواعظ، فالتدبر يحرر الفكر ويشعر الإنسان بما يدور حوله من نواميس الحياة التي تحجب عن البصر وتكشف للبصيرة، وعندما يرى الإنسان ببصيرته فإنه يعرف الله حق المعرفة.
إن التأمل هو أحد الأبواب التي تقود الإنسان إلى معرفة أسرار الكون، ولا أعني هنا أسرار الفضاء والنجوم، ولكن أسرار ما خفي عن الكل وكشف للبعض، فعندما يتأمل المرء فإنه يتحرر من ذاته ويسمو بمعانيه وقيمه ليلتقي مع صفاء الكون ونقائه، فإذا ما وصل إلى تلك المراتب فإن جميع الأشياء الفانية تنصرف من حوله، ويعود ذلك المرء النقّي الذي جبل على الفطرة عند ولادته. إنها لحظة تاريخية لا يمرّ بها إلا من أطلق العنان لروحه قبل فكره حتى ينغمس في اللا شيء الذي هو في الحقيقة أشياء عديدة لا تتكرر.
عندما نتأمل فإننا نفهم الحياة ونقبل عليها لنطهّرها مما هي فيه، وعندما نتأمل فإننا نقبل الخير ونقبل اللا شر، ونرى ألواناً أخرى غير الأبيض والأسود... وغير ألوان قوس قزح كذلك.
عندما يولد المرء فإنه يكون في حالة تأمل، وعندما تمر أمّه في أصعب لحظات حياتها فإنها تتأمل ذلك الألم الذي يجعلها تهدي الأرض أغلى ما فيها، ولو أنها خيّرت لاختارت تلك اللحظة على العيش بوحدة... وبدون تأمّل.
عندما نتأمّل نعجز عن أن نكره، ولا نفتأ نترع الحياة حباً وجمالاً، ولا أعني هنا أننا نصبح سذجاً أو مغفلين، ولكننا نعمل الفطرة قبل العقل، تماماً مثلما يفعل الأطفال عندما يتحدثون إلى الآخرين، أو بالأحرى عندما يتحدثون معهم.
عندما نتأمّل فإن لسان حالنا يقول:"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" ونستغفر الله في اليوم سبعين مرة وندعوه بعد كل صلاة أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته... وعندما نتأمّل نعرف أن الله أكبر وأوسع من أن يظن البعض أنه لهم هم فقط، وأنه سيرحمهم وسيعذب الآخرين لأنهم ليسوا من الفرقة الناجية.
عندما نتأمّل فإن صدقتنا تكون إما إماطة للأذى عن الطريق أو تسبيح وتهليل، وعندها يصبح جميع ما على الأرض ملكاً لنا لأننا امتلكنا أنفسنا قبل كل شيء.
عندما نتأمل فإننا نضع الطعام على الأرض ونجلس حوله كما يجلس عابر السبيل الذي لا يريد من الحياة سوى الوصول إلى داره، فيصبح جميع ما يمر عليه في عينيه مثل غروب الشمس الذي على الرغم من روعته إلا أن الإنسان يريده أن ينتهي ويريد للشمس أن تغرب... فهذه سنة الحياة.
عندما نتأمل نترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس، ليس لأنه حرام بل لأننا نشفق على أنفسنا من أن يشوبها أي بأس وإن كان في عرف البعض طيباً، ولأننا نعتقد بأننا حتى نحقق رسالتنا في ما أتيح لنا من وقت على الأرض فإنه علينا أن ننظر إلى الموضع الذي ستطؤه أقدامنا وليس إلى موضعها الحالي... لذلك فإننا نريد لأرجلنا أن تطأ الأرض دون بأس.
عندما نتأمّل فإننا نصنع المعروف في أهله وفي غير أهله، فإن أصبنا أهله فهم أهله، وإن لم نصب أهله فنحن أهله، ونرتقي بعقولنا حتى نبلغ منها الرأس، فرأس العقل بعد الدين التودد إلى الناس واصطناع المعروف إلى كل برّ وفاجر.
وعندما نتأمّل فإننا نعرف دون أن نفكّر ونصل دون أن نقطع الطريق... ولكن لو تأمّلنا قليلاً.